أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

113

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدهما : أنها معطوفة على الصلة ، فلا محل لها حينئذ . والثاني : أن تكون الواو للحال ، والجملة بعدها في محل نصب على الحال ، أي : آمنوا غير ملبسين إيمانهم بظلم ، وهو كقوله تعالى : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ « 1 » ولا يلتفت إلى قول ابن عصفور ، حيث جعل وقوع الجملة المنفية حالا قليلا ، ولا إلى قول ابن خروف حيث جعل الواو واجبة الدخول على هذه الجملة ، وإن كان فيها ضمير يعود على ذي الحال . والجمهور على « يَلْبِسُوا » بفتح الياء ، بمعنى : يخلطوا . وقرأ عكرمة بضمها من الإلباس . وَهُمْ مُهْتَدُونَ يجوز استئنافها وحاليتها . قوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها . تلك إشارة إلى الدلائل المتقدمة من قوله : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ » ، إلى قوله : « وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . ويجوز في « حُجَّتُنا » وجهان : أحدهما : أن يكون خبرا لمبتدأ . وفي « آتَيْناها » حينئذ وجهان : أحدهما : أنه في محل نصب على الحال ، والعامل فيها معنى الإشارة ، ويدل على ذلك التصريح بوقوع الحال في نظيرتها ، كقوله تعالى : فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً « 2 » . والثاني : أنه في محل رفع ، على أنه خبر ثان ، أخبر عنها بخبرين ، أحدهما : مفرد ، والآخر : جملة . والثاني - من الوجهين الأولين - : أن يكون « حُجَّتُنا » بدلا ، أو بيانا ، ل « تِلْكَ » ، والخبر الجملة الفعلية . وقال الحوفي : إنّ الجملة من « آتَيْناها » في موضع النعت ب « حُجَّتُنا » ، على نية الانفصال إذ التقدير : حجّة لنا » . يعني : الانفصال من الإضافة ، ليحصل التنكير المسوّغ لوقوع الجملة صفة ل « حُجَّتُنا » ، وهذا لا ينبغي أن يقال . وقال أيضا : إنّ « إِبْراهِيمَ » مفعول ثان ، ل « آتَيْناها » والمفعول الأول هو « ها » ، وقدمت لك في أوائل البقرة أن هذا مذهب السهيلي ، عند قوله : آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ « 3 » ، وأن مذهب الجمهور أن يجعل الأول ما كان عاقلا ، والثاني غيره ، ولا تبالي بتقديم ولا تأخير . قوله : عَلى قَوْمِهِ فيه وجهان : أحدهما : أنه متعلّق ب « آتينا » قاله ابن عطية ، والحوفي ، أي : أظهرناها لإبراهيم على قومه . والثاني : أنها متعلّقة بمحذوف ، على أنها حال ، أي : آتيناها إبراهيم حجّة على قومه ، أو دليلا على قومه ، كذا قدّره أبو البقاء ويلزم من هذا التقدير أن تكون حالا مؤكدة ، إذ التقدير : وتلك حجّتنا آتيناها له حجّة . وقدّرها الشيخ على حذف مضاف ، فقال « 4 » : « أي : آتَيْناها إِبْراهِيمَ مستعلية على حجج قومه قاهرة لها » . وهذا حسن . ومنع أبو البقاء أن تكون متعلقة ب « حُجَّتُنا » ، قال : لأنها مصدر ، و « آتَيْناها » خبر ، أو حال ، وكلاهما لا يفصل به بين الموصول وصلته » . ومنع الشيخ ذلك أيضا ، ولكن لكون « الحجّة » ليست مصدرا ، قال : إنما هو الكلام المؤلف ، للاستدلال على الشيء . ثم قال : « ولو جعلناها مصدرا لم يجز ذلك أيضا ، لأنه لا يفصل بالخبر ، ولا بمثل

--> ( 1 ) سورة مريم ، آية ( 20 ) . ( 2 ) سورة النمل ، آية ( 52 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 53 ) . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 172 ) .